عبد الكريم الخطيب
543
التفسير القرآنى للقرآن
وفي تعدى اسم الفاعل : « هاد » بحرف المجاوزة « عن » - إشارة إلى أنهم عاكفون على الضلال ، لا يتحولون عنه أبدا ، ولا يتجاوزون حدوده ، ولهذا ضمّن الفعل « هدى » معنى الفعل ، صرف ، أو أبعد ، أو نحو هذا ، مما يحتاج إلى مدافعة ومعاناة . . وهذا يعنى أنه ليس من شأن النبي أن يحمل هؤلاء العمى حملا على أن ينقادوا له . . ولهذا جاء قوله تعالى بعد ذلك : « إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا » محددا وظيفة النبي ، وضابطا منهج دعوته . . وهو أن يعرض دعوته ، ويتلو آيات ربه ، ويسمع كلمات اللّه ، بإبلاغها إلى الناس ، فيسمعها ، ويستجيب لها ، من هو مستعد للإيمان ، لم تفسد فطرته ، ولم يختم اللّه على سمعه وقلبه ، ولم يجعل على بصره غشاوة . . ولهذا أيضا جاء قوله تعالى « فَهُمْ مُسْلِمُونَ » تعقيبا على قوله تعالى سبحانه : « إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا » ليكشف عن السبب في استماعهم لآيات اللّه ، وإيمانهم بها . وهو أنهم مسلمون بفطرتهم ، واستعدادهم ، قبل أن يلتقوا بالدعوة النبوية ، وقبل أن يدعوا إلى الإسلام فلما التقوا بالنبي ، وبدعوة الإسلام ، صافح الإسلام الذي في فطرتهم ، الإسلام الذي دعوا إليه . . « وإن » في قوله تعالى : « إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا » نافية ، بمعنى « ما » . . أي ما تسمع إلا من يؤمن بآياتنا ، أي من هو مستعد بفطرته للإيمان . . المندس في كيانه . . أما من فسدت فطرته ، فلن تجاوز كلمات اللّه أذنه . وفي عود الضمير على الاسم الموصول : « من » مفردا وهو فاعل ( يؤمن ) ، ثم عوده إليه جمعا هكذا : « إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ » - إشارة إلى أن الإيمان شأن من شؤون الإنسان خاصة ، فهو الذي يحصّل الإيمان بنظره الشخصي وبتقديره الذاتي ، وبما يقع له من اقتناع عقلي ، واطمئنان قلبي . . فإذا آمن ، شارك غيره في صفة الإيمان ، وكان واحدا من جماعة المؤمنين